الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
44
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
قال : ولمّا أمر النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم سعد بن عبادة بدخول مكّة بالراية غلظ على القوم وأظهر ما في نفسه من الحنق عليهم ، فدخل وهو يقول « اليوم يوم الملحمة . اليوم تسبى الحرمة » فسمعها العباس . فقال للنبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلم : أما تسمع ما يقول سعد بن عبادة ، وإنّي لا آمن أن يكون له في قريش صولة . فقال النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم لأمير المؤمنين عليه السلام أدرك سعدا فخذ الراية منه ، وكن أنت الّذي تدخل بها مكّة . فأدركه عليه السلام فأخذها منه ولم يمتنع عليه سعد من دفعها إليه ، وكان تلافي الفارط من سعد في هذا الأمر بأمير المؤمنين عليه السلام ، ولم ير النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم أحدا من المهاجرين والأنصار يصلح لأخذ الراية من سيد الأنصار سواه عليه السلام ، وعلم أنهّ لو رام ذلك غيره لامتنع سعد عليه ، وكان في امتناعه فساد التدبير واختلاف الكملة بين الأنصار والمهاجرين ، ولمّا لم يكن سعد يخفض جناحه لأحد من المسلمين وكافة الناس سوى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، ولم يكن وجه الرأي توليه صلّى اللّه عليه وآله وسلم أخذ الراية منه بنفسه ، ولّى ذلك من يقوم مقامه ولا يتميز عنه ، ولا يعظم أحد من المقرين بالملة عن الطاعة له ، ولا يراه دونه في الرتبة ، وفي هذا من الفضل الّذي يخصصّه بالنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم ما لم يشركه فيه أحد ، ولا ساواه في نظير له مساو ، وكان علم اللّه تعالى ورسوله في تمام المصلحة بإنفاذ أمير المؤمنين عليه السلام دون غيره ما كشف به عن اصطفائه لجسيم الأمور ، كما كان علم اللّه تعالى في من اختاره للنبوّة ، وكمال المصلحة ببعثه ، كاشفا عن كونه أفضل الخلق أجمعين . ثم ذكر فتح مكّة وما وقع وقال : وفي ما ذكرنا من أعمال أمير المؤمنين عليه السلام في قتل من قتل من أعداء اللّه بمكّة ، وإخافة من أخاف ، ومعونته النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم على تطهير المسجد من الأصنام ، وشدّة بأسه في اللّه ، وقطعه الأرحام في اللّه - عزّ وجلّ - أدلّ دليل على تخصيصه من الفضل بما لم